الرئيسيةتوات في عيون الكُتابكتب متنوعةمدينة تمنطيط ودورها التجاري وسط الصحراء


مدينة تمنطيط ودورها التجاري وسط الصحراء

  • طباعة
  • أرسل لصديقك

أنشر هذا المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي

مدينة تمنطيط ودورها التجاري وسط الصحراء

حتى نهاية القرن الثالث عشر الهجري

الدكتور أحمد جعفري

الجامعة الإفريقية أدرار / الجزائر

تعتبر مدينة تمنطيط [1] من أهم وأقدم المدن التجارية بالصحراء الجزائرية الكبرى ، وقد أهلها لذلك جملة من العوامل نذكر منها موقعها الجغرافي الهام الذي جعلها تتوسط كبريات المدن التجارية في شمال القارة ، إضافة إلى هجرة العديد من السلالات البشرية واستقرارهم بها من يهود وبربر ،وعرب ، وزنوج وغير ذلك . وهو ما جعل المدينة أيضا  قبلة العديد من التجار والصناع والحرفين من شتى الأقطار ، وانتشرت بها على الخصوص  محلات صياغة الذهب والفضة ، حيث يذكر الشيخ محمد الطيب بن عبد الرحيم في مخطوطه الذي خصه لتاريخ المدينة وسماه :القول البسيط في أخبار تمنطيط [2] " أنه كان يوجد  بها حوالي ثلاثمائة وستون صائغا يهوديا في صناعة الذهب والفضة وحدها. وبالجملة فقد  اجتمع  في هذه المدينة -كما قال - "  العلم والعمارة والولاية والديانة والرئاسة ، وانتصبت بها الأسواق والصنائع والتجارة والبضائع ، وكان لا يستغني عنها غني ولا زاهد "[3]

وقبل المؤرخ محمد الطيب بن عبد الرحيم  احتلت المدينة تمنطيط حيزا واسعا في كتابات المؤرخين والرحالة العرب والأعاجم ، وتحدثوا عنها وعن نشاطها التجاري والثقافي مطولا  فهذا ابن خلدون(ت.808هـ) ([4]) يصف الإقليم التواتي عامة وتمنطيط خاصة بقوله : " ........وفواكه بلاد السودان كلها من قصور صحراء المغرب مثل توات وتكدرارين ووركلان‏. " ([5]). ثم نراه يتحدث عنها في موضع آخر من الكتاب واصفا قصورها وعمرانها ونشاطها التجاري بقوله :  "....وتسمى وطن توات، وفيه قصور متعددة تناهز المئين آخذة من الغرب إلى الشرق، وآخرها من جانب الشرق يسمى تمنطيت ، وهو بلد مستبحر في العمران ، وهو ركاب التجار المترددين من المغرب إلى بلد مالي من السودان لهذا العهد ومن بلد مالى إليه بينه "([6]) . بل إن الرحالة العياشي( 1090هـ) ذهب إلى أبعد من كل هذا حين جعل المدينة تمنطيط  مجمع القوافل التجارية العابرة للصحراء جميعا ، لما توفره من فرص العرض والطلب للتجار والزبائن معا على حد سواء  وبخاصة في صرافة الذهب والفضة وهو ما جعله يطيل البقاء في الإقليم حيث يقول : " وسبب إقامتنا في هذه البلاد هذه المدة أن كثيرا من الحجاج لما غلا صرف الذهب في تافلالت أخروا الصرف إلى توات ، فإن الذهب فيها أرخص ، وكذلك سعر القوت من الزرع والتمر وهذه البلدة هي مجمع القوافل الآتية من بلاد تنبكتو ومن بلاد أقدز من أطراف السودان ويوجد فيها من البضائع والسلع التي تجلب من هناك شيء كثير . " ([7]). 

كانت المدينة تمنطيط وإلى وقت قريب جدا تتوسط مجموع طرق القوافل التجارية  العابرة للصحراء ، وهو ما مكنها من الارتباط التجاري والثقافي بمعظم تلك المدن  المحيطة بها شمالا وجنوبا وهذا بواسطة طرق القوافل التجارية  المعلومة من مثل  ([8]) :

01/ طريق السودان الغربي الذي كان يربط المدينة بمنطقة مالي وموريتانيا.

02/ طريق سجلماسة وهو الذي يربط المدينة بمنطقة المغرب الأقصى. 

03/ طريق أغدامس وهو الذي يربط المدينة من جهة الشرق بليبيا ومصر. 

04/ طريق قبائل الطوارق والبربر الضاربة جنوب توات.

05/  طريق الشمال الجزائري وهو الذي يربط المدينة بمدن الشمال كتلمسان ووهران والجزائر وبجاية.

  

ولقد شملت السلع المعروضة والمتبادلة  في أسواق المدينة تمنطيط شتى أنواع الملابس  ، والأسلحة ، والتمور والحناء ، والنحاس ، وريش النعام ، والشاي والتبغ ، والسكر ، والفلفل ، والصمغ العربي ، وغيرها  .

تقع مدينة تمنطيط وسط الإقليم التواتي الذي يمتد  في حدوده القديمة  من حدود واد الساورة  إلى حدود صحراء تنزروفت حيث يعتبر الشيخ البكري أن  " بينه وبين سجلماسة مسافة ثلاثة عشر يوما ... وغربا عشرين يوما لأول السودان، ومن غدامس عشرين يوما ،ومن بلاد الزاب عشرة أيام شرقا، ومن ناحية أولاد عيسى قدر أسبوع إسراعا لبلاد البيض سيدي الشيخ، وعدد قصوره في القرن الحادي عشر مائتا قصرا أوسطها بودة وتيمي وتمنطيط . " ([9]) وهو تابع في عهدنا الحالي إلى ولاية أدرار جنوب العاصمة الجزائر بنحو 1500كلم.

وتمنطيط من حيث اللفظ  لفظ " أعجمي  ويقال إنه مركب من اسمين عجميين  وهما ( أتما) و( تيط)  ومعنى(أتما) النهاية  و(تيط)معناها  العين (1)"، وبعد التركيب وحذف ألف  (أتما) الأخيرة وإبدال ألف (اتط) الأولى نونا ، صار اﻹسم على تركيب (أتْمَنتِيط)، ثم أسقطت الألف الأولى للتخفيف ، وأبدلت التاء  الثانية طاء ، فأصبح الاسم على صورة نطقه الحالية  ( تمنطيط).  ومع هذا فقد تناقلت الذاكرة الجماعية  معنا آخر للفظ  ويعني  أن اللفظ مركب من كلمتي  (أمان) وتعني (الماء) و(تيت) وتعني (العين)  أي بمعنى عين الماء .  

وبالرجوع إلى الجانب العمراني في تاريخ الإقليم التواتي عامة وتمنطيط خاصة  نجد أن نص ابن خلدون  السابق من أقدم النصوص التي تناولت بالحديث عمارة الإقليم  فحديثه عن تمنطيط وعمارتها كان محل إعجاب كبير لديه ، بل إن حديثه عن تخطيط وهندسة التواتيين للفقارة  كان عجيبة لم يسبق له أن اطلع عليها .

وبعد ابن خلدون جاء المؤرخ سيدي محمد بن بابا حيدة  وخصص كتابا مستقلا لمدينته تمنطيط و هندستها ، وطبيعة أبنيتها قائلا : " وهي متصلة البنيان في قصور غير متباعدة السيسان بل هي متلاصقة العمران ....وحولها أصول وبساتين ماؤها بفقاقير جارية ....وقد جاءها الماء من الجهات الثلاث شرقا وغربا وقبلة بخلاف غيرها من البلدان ، ويقال إن فيها ثلاثمائة وستة وستون فقارة منها ما هو جار الآن ومنها ما هو معطل ، قيل وقصورها أصل عددها كذلك ثلاثمائة وستة وستون قصرا يستضاف فيها الضيف كل يوم  بقصر على عدد السنة "([10])

ومعلوم  أن النمط العمراني لهذا القصر بالذات في تلك الفترة وما قبلها هو خليط في هندسته بين  النمط الإسلامي والنمط الإفريقي  إلا أن هذا النص التاريخي ، وما سبقه به ابن خلدون   يمكن أن يقودنا إلى جملة من الاستنتاجات الأولية أهمها :

01/ انضواء مجموعة مما يعرف محليا بالقصور أو القصبات وبأسمائها الخاصة تحت مسمى جامع فنجد تمنطيط  وفيها كما قال المؤرخ ثلاثمائة وستة وستين قصرا متصلة بعضها ببعض.

02/ تقارب القصور ، وتلاصق العمران  .

03/ بناء المدينة وسط مجار ثلاثة للمياه وهي ما تعرف محليا بالفقارة .

04/ إحاطة المدينة بواحات النخيل أو ما يعرف محليا بالجنة .

لقد كانت المجتمعات الإسلامية  في إقليم توات -وإلى وقت قريب جدا – تسكن في تجمعات سكنية جماعية  محاطة  بصور خارجي ضخم ، فردي حينا ومزدوج  حينا آخر . ويسمى التجمع عامة القصر أو القصبة .ويجمع على قصور .

يتشكل القصر من بناية خارجية عامة بداخلها مساكن فردية ، ويحكم القصر عامة باب خارجي كبير . كما تأتي معظم هذه القصور محاطة بخنادق دفاعية وبأبراج أربعة أو خمسة بحسب شكل القصر .وهذه التحصينات الدفاعية في إنشاء العمارة التواتية تمتد جذورها كبقية المدن الإسلامية من فعل الرسول (ص) في المدينة المنورة وما قام به من حفر للخندق بها من الجهة الشمالية جهة الخطر حينها وقد كان بطول 1300ذراع وبعمق أربعين ذراعا([11]) ، وأول ما يتبادر إلى الأذهان بعد الإطلاع على هذه التصاميم  هو طبيعة البيئة الصحراوية التي وجدت فيها هذه القصور والتي كانت في مجملها بيئة حربية ([12])يغزو فيها  وإذا توغلنا إلى داخل القصر  وجدنا هناك البيوت والأزقة الضيقة بسبب مساحة القصر الإجمالية التي تتحكم فيها الظروف الاقتصادية وتحت البيوت تكون هناك دهاليز صغرى للتبريد وحفظ المنتجات ، وتحت القصر إجمالا هناك الدهليز أو النفق الجامع الذي تتخذه الجماعة للتبريد في فصل الصيف الحار ، و وسط كل هذا يأتي المسجد كأهم بناية في وسط القصر . وبالقرب منه أحيانا هناك بئر الشرب الاحتياطي .وبين كل هذا وذاك تأتي مساحة القصر المركزية الكبرى كأكبر ساحة وسوق داخل القصر للعرض وتبادل السلع التجارية .وهذه أهم القصبات التاريخية المشكلة لقصر تمنطيط ([13])

اسم القصبة 

تاريخ تأسيسها  

القبائل التي سكنتها 

أولاد ميمـون  

القرن الثاني هجري / الثامن ميلادي 

قبيلة أولاد سلام 

أولاد أمحمد 

القرن العاشر هجري / السادس عشر ميلادي  

قبائل أولاد أمحمد 

تايلـوت

بداية القرن الثاني عشر ميلادي

قبائل اللمتون ( لمتونــة)

أولاد يعقـوب

منتصف القرن الثاني عشر ميلادي

قبائل أولاد يعقوب

أولاد اهـمالي

القرن السادس ميلادي

قبائل أولاد همال

أولاد داود

القرن الخامس عشر ميلادي

قبائل أولاد داود بن عمر

أولاد اعلي بن موسي

خلال القرن الثاني عشر ميلادي

قبائل أولاد اعلي بن موسي

قصور أولاد يحي

هي مجموعة من القصبات المندثرة لا يعرف تاريخها

قبائل أولاد يحي- أولاد مولاي عبد الواحد بن الزويني

وقد تحدث  صاحب البسيط بشيء من الإسهاب عن توافد قبائل عديدة في مراحل مختلفة إلى القصر وتعميرهم له ، و أول قبيلة نزلت  به يقال لها اللمثون و يقصد بهم الملثمون أولاد يوسف بن تشافين وفدوا إلى القصر حين انكسرت دولتهم بالمغرب و الأندلس.([14]) ، وبعدهم توافدت القبائل تباعا على القصر ، وكانت لكل قبيلة قصرها أو قصبتها الخاصة التي تؤسسها بمجرد نزولها في القصر .

النشاط الاقتصادي والتجاري بتمنطيط :

لقد شكل عنصر الماء بالإقليم أحد أهم روافد الحياة الاقتصادية والتجارية بالإقليم ، ان لم يكن محركها وشريان حياتها الأساسي ، وهو ما تفطن له سكان الإقليم عامة منذ نزولهم بهذه الصحاري حيث أبدعوا في اكتشاف الفقارة ونظام توزيع مياهها ، وهو ما مكنهم من خلق نشاط فلاحي مميز أنعكس على باقي مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية ،و امتد صداه التصديري شمالا وجنوبا .

ونظام الفقارة هو واحد من أهم وأغرب أنظمة السقي التقليدية في العالم  وقد وقف عنده المؤرخون والرحالة العرب والأعاجم بكثير من الدهشة والإعجاب ، كما الأمر مع ابن خلدون في القرن التاسع الهجري الذي له في وصفها أمر عجيب نراه معه يتعرض إلى أدق تفاصيل  إنشاء الفقارة وجريان مائها حيث يقول  " ‏.‏وفي هذه البلاد الصحراوية إلى وراء العرق غريبة في استنباط المياه الجارية لا توجد في تلول المغرب وذلك أن البئر تحفر عميقة بعيدة الهوى‏.‏وتطوى جوانبها إلى أن يوصل بالحفر إلى حجارة صلدة فتحت بالمعاول والفؤوس إلى أن يرق جرمها ثم تصعد الفعلة ويقذفون عليها زبرة من الحديد تكسر طبقها عن الماء فينبعث صاعداً فيفعم البئر ثم يجري على وجه الأرض وادياً‏.‏ويزعمون أن الماء ربما أعجل بسرعته عن كل شيء‏.‏وهذه الغريبة موجودة في قصور توات وتيكورارين وواركلا وريغ‏.‏والعالم أبوالعجائب‏. والله الخلاق العليم " ([15]).وبنظام الفقارة استطاع الإنسان التواتي أن يلبي كافة احتياجاته الفلاحية بل وتمتد يده تصديرا  إلى بلاد السودان كما يذكر ابن خلدون دائما  " ........وفواكه بلاد السودان كلها من قصور صحراء المغرب مثل توات وتكدرارين ووركلان‏. " ([16])

والفقارة ، هي عبارة عن  سلسلة من الآبار المائية المتصلة بعضها ببعض في طريقة تصاعدية عجيبة وطريقة توزيعية للمياه أعجب  ، وهو نظام قديم جدا تعددت الروايات في أصله ومصدره واتفقت على شيوعه وانتشاره في أكثر من عشرين منطقة من ربوع العالم . غير أن ما يميز المنطقة التواتية في نظامها المائي هذا هو توارثه عبر الأجيال منذ عدة قرون وإلى الآن مع المحافظة على كثير من مقوماته وأسس بنائه ، بالإضافة إلى أنه ساهم وبشكل كبير في توازنات السكان وانتشاره داخل الإقليم ومن ثم الاستقرار واستمرار العيش  إلى الآن وسط ظروف طبيعية جد قاسية، كما كان لهذا النظام أيضا الأثر البارز في غرس روح العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع تبعا لقدرة كل فرد ، ومدى حضوره و نجاعته في أعمال الحفر والصيانة السنوية  التي يعرفها النظام ، إضافة إلى ما يصحب كل ذالك من قيم ومثل تضامنية عليا هذا دون أن ننسى أثر كل ذالك على كافة التحولات الاجتماعية والمجالية التي عرفها ويعرفها الإقليم.

وإذا تحدثنا عن قصر تمنطيط وأنظمة الفقاقير به وجدنا به أولا أحد أهم وأقدم فقارة بالإقليم والمسماة ب"هنو" وهي فقارة تظل إلى الآن بلا نظام توزيع للمياه بل يتم التوزيع بها  وفق قاعدة التداول بين المالكين على مدار ساعات اليوم.

وإضافة لهذه الفقارة توجد بالقصر فقارات عديدة نذكر منها : فقارة المخلوف، تيمدنين ، قرنج، أولاد سيدي واعلي، ميمون،سيدي توامي، أولاد حمو،حبا النبو، بالحاج. مازر، أولاد سيد الشيخ، تقـورت.

ومن أهم المحاصيل الفلاحية بالقصر كغيره من قصور الإقليم نذكر  : النخيل حيث تشكل التمور الغذاء الرئيسي والمنتج التجاري الأول لسكان الإقليم عامة ، ويأتي بعده نبات القمح بنوعيه ثم الحنا والتبغ وباقي الخضروات  .

وغير المحاصيل الفلاحية فقد شملت الصادرات التواتية إلى السودان الغربي أيضا بعض الملابس ، والأسلحة وفي المقابل تتم مقايضة هذه السلع بالشاي والسكر والنحاس وريش النعام والقطن والعبيد  جنوبا باتجاه السودان الغربي  . وبالسكر والفلفل والصمغ والصوف ومشتقات الحليب  والملح  و أدوات الزينة و الخيـل والعطور والقمح و الزيت و المنسوجات   شمالا .باتجاه عين الصفراء والمشرية ومعسكر وتلمسان إلى حدود سجلماسة وغدامس شرقا وغربا وغيرهما .

وعن أسعار هذه السلع فإن مجملها كان يتم وفق تجارة المقايضة المعلومة سلعة بسلعة ، والبعض الآخر كان يشترى بالذهب وغيره من بقية العملات حيث نجد أن ثمن الحمل الواحد من الملح في مدينة مالي (المجاورة للإقليم ) كان يعادل عشرة مثاقيل من الذهب ، ويصل في بعض الأحيان إلى أربعين مثقال. ([17])

وفي كل هذا كانت تمنطيط القلب التجاري النابض للإقليم انطلاقا من موقعها الإستراتيجي الهام والمميز أولا ، ومن تمركز معظم التجار العرب والأعاجم بداخلها .

تمنطيط والحركة الصناعية .

عرفت مدينة تمنطيط خلال هذه الفترة أزهى فترات حركتها الصناعية ، وهذا بشهادة مؤرخ المدينة الشيخ سيدي محمد الطيب الذي يقول عنها  " وهي بها قاعدة فيها العلم والإمارة والولاية والديانة والرياسة ،انتصبت بها الأسواق والصنائع والبضائع والتجارة وكاد أن لا يستغني عنها غني ولا زاهد لما فيها من الدين والبركة والحاجة والحمد لله فهي موردة  الركبان و معشر العربان ورياسات البلدان.......وترتسي بها التجار في الآوان ..."([18]).

ومن خصائص النشاط الصناعي والتجاري بهذه المدينة أن تتخصص فيه عائلات بأكملها وتصير في ذلك مضرب المثل لغيرها ، كما هو الأمر مع قبيلة أولاد داوود بن اعمر التي نزلت بالقصر في حدود القرن التاسع الهجري، ووصفها الشيخ سيدي محمد الطيب بقوله :" " وكانوا أهل شماخة ...وعزة ورياسة بنوا الحمام ، وضربوا السكة  ولم يبق منهم إلا بقية ضعافا . وقصورهم الآن قاعدة السوق بتمنطيط وبها الحدادون والنجارون والخرازون  والدلالون  والعطارون والصباغون والجزارون وغير ذلك" ([19])

كما أن المدينة اشتهرت من بين نظيراتها من مدن الإقليم التواتي  بالحضور اليهودي المكثف  حيث يذكر الشيخ مولاي أحمد الإدريسي : "أنها كانت معقلا لليهود "([20]) كما يذكر أيضا مؤرخ المدينة الشيخ الطيب أنه كان بها " ثلاثمائة وستة وستين صانعا يهوديا " واستطاعوا بهذا العدد أن يسيطروا على مقاليد الحركة التجارية بالمدينة لعصور ، مما انعكس سلبا على حركة التوازن بينهم وبين المسلمين. وهو الخطر الذي تفطن له الشيخ الإمام المغيلي (909هـ)وجعله يدخل معهم في حروب انتهت بإجلائهم عن المدينة نهائيا  .

لقد حل الإمام المغيلي بأرض توات على الأرجح سنة 882هـ([21]) ووجد اليهود يومها قد ضربوا بأذنابهم في كل شاردة وواردة من أمور حياة التواتيين بالإضافة الى تمردهم على كثير من الأحكام الشرعية عليهم ، وهو ما رأى فيه الإمام المغيلي إسقاطا لصفة الذمي عنهم ، ووجوبا لهدم ما استحدثوه من كنائس في أرض المسلمين . ومن هنا بدأ الخلاف مع بعض علماء عصره وعلى رأسهم قاضي توات آنذاك الشيخ  أبو عبد الله العصموني([22])  وفي هذه القضية ومن حولها أثيرة قضايا فقهية عدة استمع فيها المغيلي إلى أراء معارضيه وأنصاره ([23]) ، واستقر به الرأي أخيرا عند إسقاط صفة  الذمي عن اليهود ، أولا ثم محاربتهم وإخراجهم من منطقة توات أرض المسلمين ثانيا.

وإذا انتقلنا إلى الحديث عن أهم الصناعات التي اشتهرت بها المدينة وعم صداها كافة الأقطار المجاورة وجدنا منها :

01/ صناعة الفضة :  وقد اختصت بها قبائل بعينها وصنعت منها أدوات الزينة بإشكالها المختلفة .

02/ صناعة الجلود :  وقد اختصت بها قبائل بعينها أيضا ، وصنعت منها الأحذية والحقائب وغيرها.

03/ الصناعات الطينية : وصنعت منها أدوات الشرب والأكل والزينة ، إضافة إلى أدوات الفلكلور المختلفة .

04/ الحدادة : وقد تخصصت فيها بعض القبائل أيضا واستخرجت منها الأدوات الفلاحية تحديدا من المنجل والمسحاة والقادوم وقد تعدته إلى بنادق الصيد وكذا بنادق الفلكلور .

أدوات الوزن والقياس :

استعان التواتيون في تجارتهم بمجموعة من أدوات القياس ،والكيل ، والوزن وهي نفس الأدوات والوسائل التي كانت سائدة في الصحراء الإفريقية عامة في تلك الفترة  غير أن بعضها يبقى محليا تبعا للنشاط المحلي الذي وسمت به كما هو الأمر مع أدوات الكيل والوزن الفلاحية التي  نذكر منها:

"الشقفة"  وتسمى أيضا : "الحلافة" صيغة مبالغة من الحلف على العدل والمساواة ،أو الصبارة .وهي في شكلها صفيحة نحاسية مستطيلة أو دائرية ذات ثقوب عديدة و متدرجة من الأصغر إلى الأكبر. أما وحدات القياس فأصلها جميعا يسمى الحبة و بها يكون قياس ماء الفقارة إجمالا حيث يقولون في هذه الفقارة 100 حبة ماء أو 200 حبة ماء وما إلى ذلك . وغير الحبة هناك من الوحدات  أيضا:

الماجل، ولها مسميات مختلفة منها :الحبة العود الصبع قيراط نحاس أحيانا .وهو أربعة وعشرين قيراط .والقيراط: هو جزء من أربعة وعشرين جزء من الماجل .

وهناك أيضا قيراط القيراط وهو جزء من أربعة وعشرين من القيراط .

الربع : وحدة قياس يساوي ستة قراريط .

الفلس : هـو الحـد الأدنـى لـوحـدات القيـاس الخـاصة بتكييل الماء ، و576 فلس تمثل عود أي قيراط .

قيراط نحاس: هو الوحـدة الأولى التي يتم بها قياس إجمالي ماء الفقارة.

ومن أدوات الكيل والميزان ([24])المستعملة في المبادلات التجارية بالمدينة تمنطيط في تلك الفترة وإلى الآن تقريبا نذكر :

الميزان : وهو مصنوع من سعف النخيل والألياف  ويتوسطه عود خشبي كبير .

القصعة : وتستعمل لكيل التمر والقمح.

أزقن :وهو وحدة للكيل مقدارها قصعة.

القامة : وهي لقياس الطول وتساوي 02متر .

القروي : وهو صاع كبير لكيل التمر والحبوب وما شابه ، وهو خمسة أقصاع .

لحمل أو لغرارة : ويساوي 150كيلو تقريبا .

لغرارة : هي ش

الذراع  والقامة والشبر والقدم وكلها تستخدم في قياس الطول .

وبجميع هذه الأنشطة الاقتصادية والتجارية التي طبعت المدينة تمنطيط وحركت سكونها لمدة طويلة  إضافة إلى النشاط العلمي المميز الذي وصفت به المدينة استطاعت تمنطيط أن تحتل محل الريادة وموقع العاصمة الثقافية والاقتصادية للإقليم التواتي قاطبة ولفترة طويلة من الزمن ،وهو ما أهلها لتبوء مكانة مرموقة من بين كبريات العواصم التجارية والثقافية في صحرائنا الكبرى ، وتحدث عنها العام والخاص من المؤرخين والرحالة العرب والأعاجم على حد السواء .

المصادر والمراجع

أولا : المخطوطة :

01/ البسيط في أخبار تمنطيط ، الطيب، بن عبد الرحيم. خزانة تمنطيط.

02/ درة الأقلام في أخبار المغرب بعد الإسلام . الشيخ سيدي محمد بن عبد الكريم . خزانة تمنطيط أدرار .

03/ الدرة البهية في الشجرة البكرية .الحاج محمد العالم . خزانة تمنطيط أدرار .

04/ نسيم النفحات في ذكر جوانب من أخبار توات .الشيخ مولاي أحمد الإدريسي . خزانة تاسفاوت .أدرار.

ثانيا : المطبوعة :

05/ إقليم توات خلال القرنين الثامن والتاسع عشر الميلاديين د: فرج محمود فرج ، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر 1977م.

06/ تاريخ أفريقيا الغربية الإسلامية من مطلع القرن السادس عشر إلى مطلع القرن العشرين  .أ. د يحي بوعزيز . دار هومة .الجزائر .2001.

07/ تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ، ابن بطوطة ، دار صادر بيروت لبنان. .ص 764 .

08/  سكان تدكلت القدماء والاتكال على النفس .الحاج التومي سعيدان .دار هومة/ الجزائر2005.

09/  العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر المعروف بتاريخ ابن خلدون.دار الكتاب اللبناني 1983م  بيروت لبنان .

10/  العمارة الدينية الإسلامية في منطقة توات  مدينة تمنطيط نموذجا من القرن 6هـ إلى القرن 13هـ.  دراسة تاريخية أثرية عمرانية ومعمارية. مذكرة لنيل شهادة الماجستير في الآثار الإسلامية إعداد بن السويسي محمد .إشراف عبد لعزيز محمود لعرج لعرج .جامعة الجزائر معهد الآثار .2008.

11/  مـاء الموائد (الرحلة العياشية). تحقيق محمد حاجي ، ط2 ، 1397هـ/1977م ، مطبوعات دار المغرب للتأليف والنشر.

12/  المعيار المعرب أحمد بن يحي الونشريسي /دار الغرب الإسلامي  .المملكة المغربية.

13/  نيل الابتهاج بتطريز الديباج  للشيخ سيدي أحمد بن بابا التنبكتي . دار الكتب العلمية  بيروت لبنان.

ثالثا المجلات :

12/ مجلة طريق القوافل ص65. المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ 2001.  موضوع : مساهمة قوافل الصحراء والحضارة الإسلامية في السودان الأوسط. أ.الماحي عبد الرحمان عمر .

13/ مجلة المدينة العربية العدد 49/ موضوع : مدخل لدراسة المدينة الإسلامية .الدكتور ابن يوسف إبراهيم .

الدكتور أحمد جعفري

الجامعة الإفريقية أدرار / الجزائر



[1] / تمنطيط مدينة تاريخية قديمة  يرجع تاريخها إلى  ما قبل الإسلام بقرون  بعيدة  . وهي حاليا  تابعة لولاية أدرار التي تبعد عنها بعشر كلومترات تقريبا .

[2] /مخطوط  القول البسيط في أخبار تمنطيط . ص 18

[3] /  المصدر السابق .

3/  ذكرها في كتابه العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر المعروف بتاريخ ابن خلدون . مج 1/ج1 ص 93، مج 6/ج11 ص 120، 123، 133، 206 .مج7/ج13 ص 118، 119 .دار الكتاب اللبناني 1983م  بيروت لبنان .

[5] /  المصدر نفسه مج1/ج1 ص 93.

[6] /  المصدر نفسه مج6/ج11 ص 120.

/[7] الرحلة العياشية . أبو سالم العياشي . الجزء الأول . ص 21.

[8]/ إقليم توات خلال القرنين 18 و 19 م ، فرج محمود فرج ، ص70.وينظر أيضا:مساهمة قوافل الصحراء والحضارة الإسلامية في السودان الأوسط. أ.الماحي عبد الرحمان عمر . مجلة طريق القوافل ص65. المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ 2001. وينظر خريطة طرق القوافل من وإلى الإقليم   في الملحق.

[9]/ مخطوط درة الأقلام في أخبار المغرب بعد الإسلام .ص3 . الشيخ سيدي محمد بن عبد الكريم . خزانة تمنطيط أدرار .وينظر أيضا : مخطوط الدرة البهية في الشجرة البكرية .ص 131 وما بعدها .الحاج محمد العالم .

(1) البسيط في أخبار تمنطيط ، الطيب، بن عبد الرحيم،  تحقيق فرج محمود فرج ، ديوان المطبوعات الجامعية ،الجزائر، 1984، ص15

[10] / محمد بن بابا حيدة. مخطوطه القول البسيط في أخبار تمنطيط تحقيق فرج محمود فرج .ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر 1977م. ص 4

[11] / ينظر : الدكتور ابن يوسف ابراهيم .مدخل لدراسة المدينة الإسلامية .مجلة المدينة العربية العدد 49/ص 16. وما بعدها

[12] / لقد سجل الشيخ سيدي محمد بن عبد الكريم في مخطوطه درة الأقلام في أخبار المغرب بعد الإسلام  معظم هذه الحروب والفتن التي دارت رحاها في الإقليم تباعا .

[13] / العمارة الدينية الإسلامية في منطقة توات  مدينة تمنطيط نموذجا من القرن 6هـ إلى القرن 13هـ.  دراسة تاريخية أثرية عمرانية ومعمارية. مذكرة لنيل شهادة الماجستير في الآثار الإسلامية إعداد بن السويسي محمد .إشراف عبد لعزيز محمود لعرج لعرج .جامعة الجزائر معهد الآثار .2008

[14] / البسيط في اخبار تمنطيط. الطيب بن عبد الرحيم ص 08

[15] / تاريخ ابن خلدون  مج7/ج13 ص 118 وما بعدها .

[16] /  المصدر نفسه مج1/ج1 ص 93.

[17] / ينظر : تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ، ابن بطوطة ، دار صادر بيروت لبنان. .ص 764 .

/[18] مخطوط البسيط في خبر تمنطيط وخبر ما وقع في الزمان وما اشتملت عليه من المكان  .الشيخ سيدي محمد الطيب بن الحاج عبد الرحيم .ص 02

[19] / المصدر نفسه  ص 11

[20] / مخطوط نسيم النفحات . خزانة تاسفاوت .أدرار

/[21] ينظر مخطوط درة الأقلام في أخبار المغرب بعد الإسلام .ص19.سيدي محمد بن عبد الكريم .خزانة كوسام .و تقييد مخطوط في خزانة بن الوليد أدرار .

[22] / نزل الشيخ العصموني بأرض توات قادما من تلمسان  سنة862هـ . وتولى بها القضاء سنة 877هـ. المصدر السابق .

[23] / ينظر :المعيار المعرب أحمد بن يحي الونشريسي ج/2 ص219   وما بعدها /دار الغرب الإسلامي  .المملكة المغربية . و كتاب نيل الابتهاج بتطريز الديباج  للشيخ سيدي أحمد بن بابا التنبكتي . الجزء الثاني /حرف الميم . ص 151 وما بعدها . دار الكتب العلمية  بيروت لبنان .وتاريخ أفريقيا الغربية الإسلامية من مطلع القرن السادس عشر إلى. مطلع القرن العشرين  .أ. د يحي بوعزيز . دار هومة .الجزائر .2001.

[24] / ينظر : سكان تدكلت القدماء والإتكال على النفس .الحاج التومي سعيدان .ص167.دار هومة الجزائر2005.

 

ساحة الأعضاء





الدخول
التسجيل

أخر التعليقات

  • السلام ومبروك علينا وعليكم رمضان وتقبل الله استاذي انا محمد الداودي من انزجميز القصر الفوقاني . خري...

  • سلام الله عليك يامصمم الموقع مشكور على الجهدالمبذول,وأقول لك إذا كنت تقصد توات الوسطى فمعك الحق ,أما...

  • سيدي لو تفظلتم بتحديد الموقع الجغرافي لمنطقة توات لإبعاد اللبس لأن هناك من يحددها إبتداء من عين صالح...

  • السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته انا حسين من مدرسة الشيخ حلوات عبد القادر اشكركم على هذا التعدا...

  • بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وبعد، اتقدم إلى القائمين على هاته المجلة ب...