تسجيل الدخول

تسجيل الدخول

إسم المستخدم *
كلمة المرور *
تذكرني

موقع مجلة الأهرام العربي»

في موقع التفجيرات النووية الفرنسية بالصحراء الجزائرية.. محرقة رقان وتمنراست.. 57 تفجيرا وتجربة نووية فرنسية يدفع الجزائريون ثمنها على مدار 24 ألف سنة

8-4-2016 | 23:54

موقع التفجيرات النووية الفرنسية بالصحراء الغربية

سهير عبد الحميد- عدسة: أيمن إبراهيم

الضحايا يتحدثون: تشوهات خلقية وأمراض نادرة وسرطانات ونسب إجهاض جراء الحوادث

57 تفجيرا وتجربة نووية فرنسية  يدفع الجزائريون ثمنها على مدار 24 ألف سنة

وثيقة فرنسية: إشعاعات تفجيرات رقان وصلت حتى جنوب أوروبا

أول قنبلة ذرية في رقان طاقتها تفوق قنبلة هيروشيما بـ 4 مرات

داودة عبد الرحمن: الفرنسيون استعملونا فى حفر الأنفاق وتركونا تحت رحمة الإشعاعات

محمد: عملت مترجما فى الموقع فأصبت بمرض جلدى غير معروف

أسرغو: الأطباء فشلوا فى تشخيص حالتي وزوجتى أصيبت بالعقم

محمدى: بناتى الثلاث أصبن بتشوهات فى العمود الفقرى وماتت اثنتان منهما

الواعر محمود: جمعية الضحايا توجهت ببيان فى مؤتمر المناخ بباريس كى تعترف فرنسا بجريمتها

هنيه عبد الله: عمى مات تأثرا بالإشعاع وأولاده أصيبوا بالتخلف العقلي

مولود أورزك: التفجيرات أدت إلى انقراض الحيوانات وتدمير التربة الزراعية

آلاف الأميال قطعناها جوا ثم برا وصولا إلى ولاية تمنراست في الجنوب الجزائري على بعد 2000 كم من الجزائر العاصمة، حتى وقفنا أمام تلك البوابة الحديدية التي تفصلنا عن حديقة الشيطان التي غرسها الاستعمار الفرنسي في قلب الصحراء الجزائرية لتكون بوابة عبوره إلى النادي النووى الذي سبقته إليه الولايات المتحدة وروسيا وإنجلترا.

كلمة "خطر" وسور حديدى متواضع، هى كل ما صنعه الفرنسيون، ليمنع الدخول إلى ذلك الجبل الساكن خلف السور والذي أصبح بفعل ما صنعته فرنسا فى جوفه من تفجيرات نووية كالأسد العجوز قد يودي بحياته زلزال بسيط. لكن برغم هذا الضعف الجيولوجي، فإن الاقتراب من هذا الجبل يعنى نهاية محتومة مرضا بالسرطان أو الإعاقة البصرية أو السمعية أو غيرها من أمراض نادرة امتلأت بها الصحراء الجزائرية بأكملها  بعد أن انطلقت الإشعاعات النووية تحمل الموت لكل ما هو حى. وتسبب حالات لا حصر لها من الإجهاض والتشوهات الخلقية تحملها ذرات الرمال المشع.

هنا وقعت أكبر جريمة فى التاريخ فى 1 مايو 1962.. هى أعمق أثرا من المحرقة التى ارتكبها هتلر فى حق اليهود إبان الحرب العالمية الثانية، ومما فعلته أمريكا في هيروشيما ونجازاكى. هى الأكثر ضررا لأنها أقوى من تفجير هيروشيما ولأنها جريمة مستمرة لسنوات وسنوات، فذرات البلوتونيوم واليورانيوم وغيرها من الذرات الناتجة عن الانشطار النووي لا تفنى إلا بعد أن تفنى هى الملايين. فالبلوتوينوم على سبيل المثال لا يبدأ خطره فى الانخفاض إلى النصف إلا بعد مرور 24 ألفا و400 سنة، ومع هذا ظلت جريمة فرنسا في صحراء الجزائر متوارية لا يسلط عليها إعلام ولا تنصفها دعاية.

لقد قامت فرنسا بالعديد من التفجيرات النووية فى الصحراء الجزائرية فى مطلع الستينيات وحتى ديسمبر 1967 وما زالت تصر على أن تأثيرات تلك التفجيرات محدودة وأنها قامت بها فى مناطق غير مأهولة بالسكان. وحتى مع صدور قانون موران لتعويض ضحايا التجارب النووية الفرنسية الصادر عام 2010 والمعدل عام 2013 ، فإن فرنسا تصر على أن مدى التأثيرات الإشعاعية يضم حيزا ضيقا. برغم أن القانون الأمريكي مثلا ينص على أن التاثير الإشعاعي يمتد إلى 700كم من نقطة التفجير.

إلى حديقة الشيطان انطلقت خطواتنا من بلدية عين  إميقل بمصاحبة جهاز كشف الإشعاع الذي يحمله الدكتور عمار منصورى الباحث فى الهندسة النووية، الذي شرح لنا باستفاضة تفاصيل الجريمة. وكان الجهاز فى يده ضروريا،كى نعرف إلى أى مدى يمكننا التقدم فى محيط الانفجارات، وأين ينبغي لنا أن تتوقف خطواتنا عندما يصرخ هذا الجهاز الصغير معلنا ارتفاع مستوى الإشعاع ووصوله إلى مرحلة الخطر. تجاوزنا الرمال مضيا تجاه جبل "إن أكر" سيرا بين صخوره التي تهاوت من شدة الانفجار وحول محيطه البالغ 40 ألف متر. تلك الحمم البركانية التي أطلقتها التفجيرات التي بلغت قوتها 500 طن. وتحت أقدامنا قطع من الجرانيت التى اندفعت من بين جنبات الجبل كشظايا صغيرة.. وجهاز الإنذار يعلو تدريجيا بينما يشير لنا د. عمار إلى بعض الأدوات والآليات التي استخدمتها فرنسا فى الانفجار وخلفتها وراءها لتكون هدية الموت إلى السكان المحليين الذين استخدموها كخردة فأعادوا تصنيعها وهم لا يعلمون أنها تحمل لهم الموت.

وبين ثنايا الجبل أشار لنا د.  عمار إلى مداخل تلك الأنفاق التي شقها جزائريون بشق الأنفس دون أن يعلموا الغرض من بنائها. بعضهم قيل له إنها أعمال تنجيم والبعض الآخر لم يعنى بالسؤال ولم يدرك ما الذي يقوم به هؤلاء الفرنسيون الملتحفون فى بدل فضية تخفى أجسامهم  ووجوههم كلية.

سرنا نحو ثلاثة كيلومترات من الطريق الإسفلتى نحو جبل "إن إكر" حتى بدأ جهز  قياس الإشعاع بالصراخ. وأشار لنا مرافقنا د. عمار منصورى بالعودة بسرعة إلى حيث جئنا.

كنت أعدو نحو  الطريق الإسفلتي وخطواتي تتعثر بين قطع حمم بركانية أو مخلفات إبل تنم عن أن بعض السكان يأتون هنا للرعي وهم لا يعلمون أنهم قد منحوا  إبلهم مرضا عضالا سيرتد إليهم حتما عبر ألبانها أو لحومها. وهو ما أثبتته تحاليل أجريت عام 2009 على عينات من فضلات الإبل المتناثرة بالمكان إذ وجد أنها مشبعة بالإشعاعات النووية.

فهنا أجرت فرنسا 13 تفجيرا نوويا اسمتها بأسماء الأحجار الكريمة المعروفة بالمنطقة من العقيق والزمرد والأوبال والياقوت، كان مقررا لتلك التفجيرات أن تكون تفجيرات باطنية، لكن فشلت 12 تجربة منها ودفع الثمن أهل المنطقة.

يقول لنا د. عمار: إن بيار مسمير وزير الجيوش الفرنسية أكد فى 5 من ديسمبر 1995، وأنه كان شاهدا على إحدى تلك التجار ب الفاشلة ومعه وزير البحث العلمى بالويسكى حيث قال "فجأة وقع حادث جراء رمى باطنى تسبب فى تسرب الغاز وغبار إشعاعي، تم نقل الأفراد الذين تعرضوا للإشعاع مباشرة  إلى القاعدة. وفى المساء خضع كل الأفراد الذين كانوا موجودين فى الموقع بما فيهم الوزيران لإزالة آثار التلوث وإجراء فحص طبي. وتم حرق الملابس".

شهادات الضحايا

على بعد نحو 50 كيلومترا من جبل "إن إكر" وفى بلدية عين إمقيل، التقينا عددا من العمال  الذين استخدمتهم فرنسا فى حفر الأنفاق داخل الجبل،  دون أن توفر لهم أية رعاية صحية أو تقدم لهم توعية بالخطر المحدق بهم.. هكذا قال لنا داودة عبد الرحمن، وهو يظهر بطاقة دخوله إلى الموقع التى منحها إياه الفرنسيون، والتي مازال يحتفظ يها، يقول: خدمت فى النفقين رقمي 4 و6 مع شخص"فرنساوى" أو جاورى كما كنا نطبق عليهم فى لغتنا المحلية.كان بالأنفاق خط سكة حديد ينقل المواد التى يستخدمونها دخل الجبل. وكان لكل نفق سبعة أبواب. لم أكن أدرى ما يحملونه من أدوات. يقول داودة: كان المهنيون يلبسون ألبسة تغطى وجوههم وأجسامهم وما كنا نفهم ليه، حتى أخبرني الفرنساوى الذي كنت أعمل معه بأن هناك شيئا خطيرا وأن الأمراض بسبب التفجيرات ستظهر بعد 50 سنة. وطلب منى ألا أخبر أحدا بما قاله لي. حضرت 4 تفجيرات. وكل مرة كانوا يرحلوننا عن المكان 20 كيلومترا حتى ما نحس باللي بيحصل بعد كل قنبلة كانوا يقيموا احتفالا ويجيبوا أكباش. القنبلة الرابعة كانت قوية فقاموا بترحيلنا  على بعد 200 كيلومتر. لكن التفجير أفرز  زوبعة شديدة  وتحركت الأرض. وبعدها وجدنا كل شىء وقد سوي بالأرض وكأن ما كان هنا حياة والجبل تفتت وصار لونه متغيرا وبعدها ما عدت ثاني للعمل

عامل آخر أو بالأحرى ضحية أخرى التقينا بها. إنه محمد الذي ميزته قامته الطويلة وعينيه اللتان تظهران خلف لباسه الأمازيغي، لاحت فى نظراته مشاعر الحزن والأسي وهو يروى لنا أنه عمل كرئيس وردية.كانت وظيفته أن يترجم للعمال المحليين مهام عملهم من الفرنسية إلى لهجاتهم التى يفهمونها.. وكان نصيبه فى نهاية الأمر، الإصابة بمرض جلدي لم يعرف له تشخيصا أو علاجا حتى اليوم.

شارف أسرغو: عملت كثيرا في الجبل  ويوم التفجير  هربنا من هول المشهد أنا وزملائي. الدخان غطى المكان كله وخيم الظلام.كانوا يعطوننا أحسن راتب ولم نكن نعلم أن المقابل موتنا. والأكثر من هذا أن زوجتى أصيبت بالعقم وأصبت أنا بالعديد من الأمراض التي لم يعرف لها الأطباء تشخيصا محددا.

ضحايا إلى ما لا نهاية

لم يكن العمال والسكان المحليون  إبان التفجيرات هم فقط الضحايا، فعدد الضحايا لا يمكن حصره فى ظل وجود تلك الإشعاعات القاتلة التى انتقلت من منطقة إلى أخرى، ومن جيل إلى آخر وتنتظر كى تفتك بالمزيد من الأجيال المقبلة ربما حتى الجيل الثالث والعشرين حسب الدراسات.

ففى حى الحفرة ببلدية عين إميقل تعيش عشرات الأسر مأساة مع أبنائها الذين ولدوا بعد التفجيرات بسنوات لكن الإشعاعات القاتلة التى تعرض لها آباؤهم انتقلت إليهم فأصابتهم بالتشوهات الخلقية والأمراض السرطانية بأنواعها.

هذا هو حال محمدى محمد بن عبد القادر الذي أصيبت بناته الثلاث بتشوهات فى العمود الفقرى. ماتت اثنتان منهما بينما بقيت الثالثة تعانى المرض ولا تملك إلا الجلوس أمام البيت تتأمل فى صمت سقف البيت المصنوع من بقايا النفايات المشعة التى جلبها والدها كغيره من سكان القرية لتقيهم حر  الشمس فإذا بها تمنحهم الموت. محمدى نفسه كان أحد العمال الذين استخدمهم فى حفر الأنفاق يقول: كان الفنيون يأتون بالطائرة من فرنسا كل أربع وعشرين ساعة ومعهم بعض الأدوات يتركونها ويرحلون ويأتى فى اليوم التالي آخرون.كانوا يرتدون ألبسة تغطى أجسادهم ورغم دهشتنا لم نفهم الأمر

هنية عبد الله نائب رئيس المجلس الشعبي لبلدية عين إمقيل يقول: كان عمى أيضا من بين أولئك العمال الذين عملوا في موقع التفجيرات، وقد دفع الثمن إصابة كل أولاده بالتخلف العقلي وبأمراض نادرة لا نعرف تشخيصها حتى اليوم.

جمعية تاوريرت للضحايا

أعداد الضحايا وتزايد حالات الموت والأمراض النادرة دفع عدد من المتطوعين إلى إنشاء جمعية لضحايا التجارب النووية بالأهقار، الجمعية تأسست - كما يقول - الواعر محمود رئيسها، في سبتمبر 2011 بغرض المطالبة باسترجاع الأرشيف الخاص بالتفجيرات النووية في الصحراء الجزائرية من فرنسا وإعداد إحصائيات شاملة للمتوفين والمعاقين والمرضي والمساهمة فى طرق تحصيل التعويضات الخاصة بالضحايا. وأضاف أن الجمعية وجهت بيانا لمؤتمر قمة المناخ الذي عقد فى باريس 2016،  أكدت فيه أنه على فرنسا التى تقود حملة لحماية القارة القطبية المتجمدة ومنع مخاطر الاحتباس الحرارى وارتفاع مناسيب البحار والتغيير المفاجئ الناجم عن التلويث

المهمة ليست سهلة فكما يشير مولود أورزك سكرتير الجمعية لقد عمدت فرنسا إلى عدم تسجيل كل العمال الجزائريين الذين شاركوا فى العمل وسجلت معظمهم بأسماء أخرى، حتى لا يتسنى لهم مستقبلا المطالبة بأية تعويضات. لقد دمرت تلك التفجيرات المنطقة بأسرها وأدت إلى انقراض الحيوانات ودمرت التربة التى لم تعد صالحة للزراعة ونبذل الكثير من الجهد لإصلاحها لكن الناتج ضعيف للغاية، ودمروا المنطقة التى كانت أهم محمية فى العالم وتضم آثارا تعود إلى 800 سنة قبل الميلاد.  

فرنسا تضحى بأبنائها

لم يكن الجنود الفرنسيين بعيدين عن دائرة الضحايا، فقد أصيبوا بأمراض خطيرة جراء حادث "بيريل" فى أين أكير، فيذكر جاك مولير  أنه كان أحد الطيارين المكلفين بأخذ عينات من الغبار على مستوى السحابة المشعة وأن الانفجار خلف حالة من الهلع والفزع أدت إلى الهروب الجماعى لمن استطاع. وهناك ميشال ديسوبري الذى أدلى بشهادته في الندوة الدولية التي نظمتها وزارة المجاهدين الجزائرية، مبينا أنه فى الأول من مايو 1962 وفى الساعة 11 شاهد هو وزملاؤه الجبل يتحول إلى بياض مع ارتفاع الغبار وبعد ثوانى سقطت عليهم حبات الرمل كالمطر.

وكما يقول لنا الخبير النووى عمار منصورى: بعد ست وخمسين سنة ما زال الشعب الجزائري يعاني من الآثار الصحية والبيئية التى خلفتها التفجيرات النووية الفرنسية وآن الأوان أن تعترف وأن ترفع ختم "سرى - دفاع " الذي وضعته على جميع الأرشيف المتصل بالتفجيرات النووية في صحراء الجزائر ليكون مادة مرجعية للباحثين والخبراء ولتحديد عدد العمال المحليين الذين تم تجنيدهم لتنظيف المواقع النووية دون توفير أى حماية لهم. ولتحديد مواقع تخزين النفايات المشعة المدفونة أو التى تركت على سطح الأرض. فضلا عن تحمل فرنسا مسئوليتها فى بناء  مرافق صحية متخصصة فى الأمراض الناجمة عن الإشعاع والتى يعاني منها الضحايا وكذا أحفادهم. ويفترض أن الرئيس فرانسوا هولاند صرح فى زيارته للجزائر 2012 أن قانون "موراى" الذي أصدرته فرنسا 2010 لتعويض الضحايا التجارب النووية، يجب أن يطبق كاملا فى حين أنه تم تطبيقه انتقائيا على الفرنسيين والبولوينيزيين، حيث أجرت فرنسا عددا من التفجيرات في بولينيزيا مستعمرتها فى المحيط الهادى.

محرقة رقان

إذا كانت جريمة إين إكر قد وقعت خطأ على اعتبار أن فرنسا كانت بصدد إجراء تفجيرات باطنية لكن سوء التقدير أدى إلى فشلها جميعا، فإن ما حدث في "رقان" التى تسبح فى محيط من الإشعاعات القاتلة.. جريمة مع سبق الإصرار والترصد وهولوكست بالمعنى الحقيقى ارتكبته فرنسا حين أجرت اختبارات نووية سطحية استخدمت فيها الأسرى الجزائريين كفئران تجارب فى موقع التفجير وتركت سكان رقان الذين أجبرتهم على الخروج من ديارهم ليكونوا تحت رحمة الإشعاعات مباشرة نهبا هم وأولادهم وأجيال متعاقبة تصل إلي 24 ألف سنة حسب تقديرات الخبراء، نهبا لأمراض السرطانات والتخلف العقلى وفقدان البصر والعديد من الأمراض النادرة. وكيف لا وقد كانت أول قنبلة يتم تفجيرها تفوق طاقة قنبلة هيروشيما بـ 4 مرات.

ما زال شهود العيان من الأطفال والعجائز فى رقان ينبئونك بقصص وروايات مريرة.

الإخوة الخمسة الملقبون بـ" الخفافيش" حكمت عليهم الإشعاعات بعدم القدرة على التعامل مع ضوء النهار والعيش دوما فى ظلام الليل، الطفل الذي أفقده الإشعاع الناتج عن الانفجار بصره وهو ابن العام فعاش حياته كلها ضريرا.. تلك المرأة القزم التى لا تستطيع السير بصورة طبيعية، الفتاة التى توقف نموها العقلى والجسدى فجأة وأصبحت حبيسة جدران منزلها.. عائلة "عبلة" التي تعيش فى قصر "تاعبرابت" الذي يبعد عن رقان بـ 3 كيلومترات، والتى تعيش فتياتها الثلاث وأصغرهن 9 سنوات صم بكم. وتصل الجريمة ذروتها حين تشاهد تلك الأقفاص الخاوية  فى موقع التفجيرات إلا من بقايا العظام التى تؤكد بعض الروايات أنها لأسري جزائريين.

حيث تؤكد بعض الشهادات، اقتياد 150 أسيرا جزائريا كانوا موجودين بكل من سجن سيدي بلعباس ومعسكر بوسويه في منطقة الغرب الجزائري، وبشهادة العسكري الذي نقلهم إلى رقان فإنه لم يقم بإعادتهم إلى السجون التي أخرجوا منها أول مرة.

كل هذا وفرنسا ما زالت تغض الطرف وتنكر تلك الوقائع  منذ اللحظة الأولى فيخرج بيار مسمر وزير الدفاع الفرنسي إبان التفجيرات ليزعم أن فرنسا اتخذت كل الاحتياطات حتى لا يتعرض السكان المحليون لأى خطر.. وهو ما تراجع عنه فى شهادته 1995.كما ظهر  جول موك مندوب فرنسا فى الأمم المتحدة إبان التفجيرات، ليؤكد أن التفجيرات آمنة على مسافة 1500 كم

بدأت مأساة رقان في صباح 13 فبراير 1960 وفى تمام السابعة والربع، عندما تم أول تفجير تحت اسم "اليربوع الأزرق" كرمز لأول لون فى العلم الفرنسي ولون الكيان الصهيونى. وقد سجل التفجير بالصوت والصورة بعد الخطاب الذي ألقاه ديغول في نقطة التفجير بحموديا التي تبعد بمقدار 65 كلم  عن مدينة رقان، قبل التفجير بساعة واحدة فقط، وتم نقل الشريط مباشرة من رقان إلى باريس ليعرض في النشرة الإخبارية المتلفزة على الساعة الثامنة من نفس اليوم بعد عرضه على الرقابة.

وفى تصريح للجنرال لافو:"أن اختيار المنطقة لإجراء تجربة القنبلة الذرية، وقع في  يونيو1957، حيث بدأت الأشغال بها سنة 1958 وفي أقل من ثلاث سنوات وجدت مدينة حقيقية برقان يقطنها 6500 فرنسى و3500 صحراوي كلهم كانوا يشتغلون ليل نهار لإنجاح إجراء التجربة النووية في الآجال المحددة لها، وقد بلغت تكاليف أول قنبلة ذرية فرنسية مليارا و 260 مليون فرنك فرنسي، تحصلت عليها فرنسا من الأموال الإسرائيلية بعد الاتفاقية المبرمة بين فرنسا وإسرائيل في المجال النووي".

قتل مع سبق الإصرار

الجريمة معترف بها وأركانها متوافرة وشهود العيان كثر ومنهم:"رقاني محمد بن هاشم"، من مواليد 1937، كان وقتها يشتغل ممرضا بالقطاع الصحي الفرنسي رفقة الطبيب "بيشو دوغي".  حيث قال:"فرنسا تعمدت استعمال سكان القصور كفئران تجارب، خصوصا بعد إحصاء السكان لمدة 4 أشهر قبل التفجير دون استثناء أحد، قبل أن تخرجهم للعراء، غطاؤهم يوم التفجير كان السماء! تاركين بيوتهم خالية مفتوحة النوافذ والأبواب وهم وسط الصحراء، يقول "الرقاني محمد"، إن فرنسا كلفتهم بأخبار أهالي القصور عن التدابير التي يجب أن يتخذوها، بإغماض أعينهم والانبطاح فوق الأرض على وجوههم قبل الانفجار إثر رؤيتهم للطائرة التي ستحلق فوقهم. كم تم تسليم كل فرد صحراوي قلادة كشف الإشعاع تحمل رقما تسلسليا مع تهديد كل من يضيعها، بالسجن! ويضيف: يومها ارتفعت غمامة الفطر النووي في السماء، لكنها سرعان ما جلبتها الرياح نحو المناطق الآهلة بالسكان! فقد تم نقل عائلات الضباط الفرنسيين إلى مدينة رقان علي جناح السرعة لتجنيبهم أي خطر! كما لحقهم بعد ذلك كل القادة العسكريين، خوفا علي أرواحهم، فيما ترك الناس وسط غيمة من الغبار النووي لا تستطيع من خلاله إبصار شخص آخر على بعد 3 أمتار! وفي اليوم الموالي، تم استرجاع كل القلادات وتسجيل كل التغيرات الطارئة على الأفراد بعد الفحص الطبي الذي أجري عليهم، فيما نقلت الحالات المتضررة إلى القاعدة العسكرية لمتابعة تطوراتها قصد معرفة آثار الإشعاع على البشر بعيدا عن نقطة الصفر".

التفجير الثاني

تلت العملية الأولى قنبلة "اليربوع الأبيض"، ثم "اليربوع الأحمر" حسب ترتيب الألوان الثلاثة للعلم الفرنسي لتختتم التجارب الاستعمارية النووية بمنطقة حموديا رقان بالقبنلة الرابعة والأخيرة التي سميت "باليربوع الأخضر"، وهذا في 25 إبريل 1961، لتنفتح شهية النظام الديغولي من أجل التنويع في التجارب النووية في العديد من مناطق الصحراء الجزائرية لتصل قوة تفجيراتها إلى 127 كيلو طن.

اعتراف فرنسي

من أخطر الوثائق الخاصة بالتفجيرات النووية، تلك التى كشفها الباحث الفرنسي "برونو باريوت" عام 2014 والتى تبين أن تفجيرات اليربوع الأزرق وصلت الإشعاعات الناتجة عنها إلى جنوب أوروبا وأنها غطت نصف جزيرة صقلية فى إيطاليا وبعض دول إفريقيا. وأشار إلى وجود مناطق فى تمنراست تلوثت بها المياه بشكل كبير وبلغ أثرها حتى العاصمة التشادية نجامينا

كما نشر العالم الجيوفيزيائى الفرنسي إيف روكار وهو أحد العاملين فى المشروع النووى صورا وافلاما تبين فشل الفرنسيين في السيطرة على التفجير النووى.

كما صرح غاستون موريزو، أحد قدماء الجنود الفرنسيين الذي كان حاضرا بموقع تفجير أول قنبلة نووية فرنسية في الصحراء الجزائرية بتاريخ 13 فبراير 1960 قائلا، "لقد استعملنا سكان المنطقة كفئران مخابر خلال أولى التجارب النووية الفرنسية برقان" هذا فضلا عن مخاطر بيئية تمتد لمساحة 600 كلم مربع، فيما تسببت النفايات وبقايا التفجير في إبادة 60 ألف جزائري بين 1960 إلى 1966.

من جانب آخر تعد وثيقة تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الصادر فى مارس 2005 حول الآثار المترتبة على تجارب فرنسا النووية فى الصحراء الجزائرية مهمة برغم صدورها متأخرة بعد ست سنوات من إجراء الكشوفات والمسح الإشعاعي الذي قام به الفريق فى إن إكير ورقان فى نوفمبر 1999 فقد أكدت تلك الوثيقة الرسمية التى قام بها فريق ضم أعضاء من فرنسا ونيوزيلندا وسلوفينيا والولايات المتحدة و7 خبراء من مفوضية الطاقة الذرية الجزائرية، أن أغلب المساحات فى مناطق التجارب بها مواد ذات نشاط إشعاعي خطير.

الجريمة والضحايا

- 57 تفجيرا نوويا واختبار وتجربة

- 4 تفجيرات نووية جوية "1960 -1961".

- 13 تفجيرا نوويا تحت الأرض "1961-1966".

- 35 تجربة حول انتشار الصدمة على حبيبات من البلوتونيوم "1961-1963".

تلك التجارب أدت إلى:

- وفاة 42 ألف جزائري بينهم أسري جيش التحرير الجزائري.

-ارتفاع معدلات الإجهاض والإصابة بفقدان البصر.

- الإصابة بالعديد من الأمراض النادرة والتشوهات الخلقية ومنها صغر حجم الجمجمة أو تضخمها.

- إصابة الأشجار بالعقم كالفستق البري والزيتون الصحراوي.

- تلوث الجيوب المائية.

- تراجع عمر الإبل 20 سنة.

أعلى الصفحة